الصناعة التحويلية في القطاع الخاص

توقع الباحث الاقتصادي شامل بدران أن الإنتاج الصناعي في الصناعات التحويلية للقطاع الخاص بالأسعار الثابتة سوف يصبح سالباً عام 2024 في حال استمر تطبيق السياسات الاقتصادية العامة ذاتها، وبذلك تكون الصناعة الوطنية قد خسرت مكوناً أساسياً ومهماً وأحد فروع الاقتصاد الحاملة للتنمية في سورية، ويفاقم من آثار الحرب على سورية ما يتطلب إعادة إعداد استراتيجية وطنية متكاملة لهذا القطاع على أسس حديثة ووفق التطورات الصناعية العالمية التي تعتمد تكنولوجيا الإنتاج الرقمي المتقدم، بمشاركة كافة الأطراف ووفق برنامج زمني واضح، وامتلاك مرونة عالية في الخطة، بحيث تراعي التغيرات المستقبلية المحتملة على الاقتصاد السوري.
وبين بدران خلال محاضرة ضمن فعاليات الثلاثاء الاقتصادي في المركز الثقافي العربي في أبو رمانة تحت عنوان “الصناعة التحويلية في القطاع الخاص” أنه يعاني من الإجراءات الأحادية القسرية المفروضة على سورية لتقويض نهوض هذا القطاع الحيوي، محللاً واقع الصناعة التحويلية للقطاع الخاص خلال سنوات الحرب على سورية ، وحجم الأضرار المترتبة على المنشآت الصناعية وعلى العمالة بسببها، إضافة لتحليل اقتصاد الظل في المرحلة الحالية وتأثيراته، ففي بداية الحرب على سورية تغيرت تدريجياً هيكلية القطاع حيث تراجع الإنتاج في دمشق وريفها ، فقد تم خروج عدد كبير من المنشآت عن الخدمة لاسيما المنشآت الكبيرة بشكل مؤقت، وفي بعض المنشآت تم العمل بطاقات إنتاجية منخفضة فتراجع الإنتاج في دمشق للنصف وريف دمشق بنسبة 25%، بينما حافظت حلب على وتيرة الإنتاج وفي مراحل أخرى زادت من وتيرته حتى بلغت مستويات عالية ووصلت نسبة مساهمة حلب في الإنتاج الصناعي إلى 31% كما زادت الطاقة الإنتاجية حيث عملت منشآت حلب على تغطية الطلب المحلي وزادت فرص التصدير لدول الجوار(العراق، لبنان) بشكل كبير، وذلك مع فعالية أكبر للمدينة الصناعية في الشيخ نجار. وفي حمص زاد الإنتاج الصناعي لا سيما أن المدينة الصناعية في حسياء عملت بطاقات إنتاجية عالية والمنشآت الكبيرة في حمص تقع خارج مركز المدينة ووصلت نسبة مساهمة حمص إلى 11% من إجمالي الإنتاج. أما باقي المناطق فلم يطرأ عليها تغيرات ملحوظة خلال تلك الفترة، ومع بداية النصف الثاني من عام 2012 بدأت فصول جديدة من الحرب على سورية وبشكل مدبر لتدمير البنية التحتية في سورية وتدمير الصناعة التحويلية في القطاع الخاص، وبتاريخ 20/7/2012 بدأت الأزمة الحقيقية للصناعة في مدينة حلب حيث قامت المجموعات الإرهابية بتدمير معظم المنشآت الصناعية، وتم الاستيلاء على قسم آخر إضافة للسرقة والنهب التي تعرضت لها المنشآت، كل تلك الممارسات تمت من قبل النظام التركي، وخلال تلك الفترة تراجع حجم الإنتاج الحقيقي بنسبة 60%، وتراجعت مساهمة ريف دمشق إضافة إلى حلب حيث وصلت مساهمة حلب إلى 16% فقط، وكانت نسبة الإغلاق للمنشآت الكبيرة الإجمالية 42.3%، ففي دمشق 83%، حمص 51%، ريف دمشق 44.4% وأخيراً حلب 20.8%.
أما ما يخص الورش والمنشآت الصغيرة والمتوسطة فكانت نسبة الإغلاق الإجمالية 35.1%، وفي حمص 67.4%، وريف دمشق 41%، وحلب 38.1% وأخيراً دمشق 21.5%، وبين عامي 2016- 2018 بدأت تتضح أكثر فأكثر التغيرات الهيكلية في بنية الصناعة التحويلية في القطاع الخاص، وذلك تحرير جيشنا الباسل بشكل كامل المناطق التي تتركز بها المنشآت الاقتصادية الصناعية في دمشق وريفها وحلب وحمص، إضافة لبروز اللاذقية كمنطقة لها أهمية من حيث التصنيع ، فعادت نسبة مساهمة ريف دمشق بـ 35% وحلب بـ 20% وحمص 12% أما اللاذقية فوصلت إلى 11%. أما من حيث الأنشطة الصناعية فقد كانت الغذائية والمعادن المشكلة والمنتجات غير المعدنية والكيميائية والمنسوجات هي الأنشطة الأكثر مساهمة في الإنتاج الصناعي. ولم يتحسن حجم الصادرات النظامية بشكل كبير نتيجة الإجراءات الأحادية القسرية المفروضة على سورية ، أما الحصيلة الأهم لحجم تأثير الحرب على سورية في هذه المرحلة لا سيما فيما يخص الصناعة التحويلية في القطاع الخاص فقد كانت الخسارة كبيرة في العمالة السورية المدربة والمؤهلة، في دراسة أجريت على ما يقارب 5624 منشأة صناعية صغيرة، و1356 منشأة كبيرة.

واعتبر بدران أن المرحلة الرابعة بين عامي 2019- 2020 الأهم من بين المراحل جميعاً بسبب تحول الاقتصاد السوري بشكل كامل إلى “اقتصاد حرب”، ووفق المعايير يعد “اقتصاد الحرب” اقتصاداً غير إنتاجي في جوهره، وخصوصاً أنه يعتمد على المساعدات الخارجية، وتتحكم فيه شبكة المصالح المتوزعة بين قطاعي المال والأعمال وبين مؤسسات الدولة، وهو الذي يضغط على الخيارات الاقتصادية العامة ويحدد اتجاهاتها، فالدولة التي تدخل في حرب ضد الإرهاب، يكون من البدهي تحول اقتصادها إلى اقتصاد حرب، حيث تكمن الألوية في تأمين المواد الأساسية كالوقود والغذاء، يضاف إليها إقرار الخطة الاستراتيجية “سورية ما بعد الحرب” من قبل الحكومة السورية والتي شملت جميع الجوانب الاقتصادية
بما فيها الصناعة التحويلية الخاصة في عام 2020 مع العلم بأنه وضعت في عام 2018، وإقرار مشروع سياسة إحلال الواردات والذي بدأ بتحديد ما يقارب 40 سلعة، وجاء ما يسمى “قانون قيصر” كأعلى درجات المعاداة للاقتصاد السوري، وتم إعلان الإجراءات الأمريكية أحادية الجانب ويشير “قيصر” إلى قيام الولايات المتحدة الأمريكية لوحدها باتخاذ إجراءات عقابية ضد سورية، بهدف إعاقة عملية إعادة البناء الاقتصادي والتنمية في سورية.
وتحدث بدران عن اقتصاد الظل فقد بلغ حجم الاقتصاد غير الرسمي قبل الحرب على سورية نسبة 30% تقريباً من ناحية عدم الترخيص للمنشآت الصغيرة والمتوسطة أما المنشآت الكبيرة فقد بلغت نسبة المنشآت المرخصة 92%، ويعتبر عدم الترخيص أحد عناصر الاقتصاد غير الرسمي. ومع ذلك فقد توسع حجم الاقتصاد غير الرسمي بشكل كبير منذ عام 2011 ليأخذ أشكالاً جديدة، وإن استراتيجيات البقاء التي اتبعها السكان ترتبط بانتشار أنشطة موازية وخارجة عن القانون، الأمر الذي أسفر غالباً عن أنشطة اقتصادية غير رسمية ألقت بظلها على السوق الرسمي. ويقدر حجم اقتصاد الظل في قطاع الصناعة خلال فترة الحرب بنسبة 60%.
من جانبه بين فؤاد اللحام أمين سر جمعية العلوم الاقتصادية أن قطاعي الزراعة والصناعة من أكثر القطاعات تضررا خلال الحرب على سورية، مطالباً الصناعيين والاستشاريين بإنقاذ الصناعة قبل فوات الأوان، أما نبيل حمزاوي فقد أوضح في مداخلته أن الروتين والتعقيدات الإدارية كانت تشجع على ظهور اقتصاد الظل، مطالباً بدعم المنشآت التي تعمل في الظل لتزيد مساهمتها وتخرج للعلن، أما الدكتور جعفر شعبان فقد طالب بتأسيس العناقيد الصنعية لما لها من أهمية في حل مشكلاتنا الصناعية والاقتصادية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هام..